الشيخ حسن المصطفوي
174
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
* ( وَمَا ا للهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ ) * - 40 / 31 فيصرّح قوله تعالى بنفي الظلم عنه في الدنيا وفي الآخرة ، ولو بمثقال ذرّة ، بل يصرّح ينفى إرادة الظلم منه تعالى ، وهذا هو الموافق بما نقول من أنّ الإرادة هو طلب ما يقتضيه ذاته الَّذى لا حدّ له ولا نهاية له وهو النور المطلق وله الجمال والكمال المطلق التامّ . فهو تعالى لا يريد إلَّا بسط الرحمة وإفاضة الفيض والجود وإظهار الخير والصلاح والجمال - راجع شرح الباب الحادي عشر . مضافا إلى أنّ الظلم قبيح عند العقل والفطرة ، فكيف يصحّ أن يسند إلى النور المطلق ذي الجلال والجمال والبهاء بما لا يتناهى . وقد ذمّ الظلم بتعبيرات أكيده في الآيات الكريمة ، حتّى نهى نهيا شديدا عن الركون إلى الظالم والتقرّب منه بأىّ نحو كان : * ( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) * - 11 / 113 . * ( وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) * - 23 / 27 . * ( فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) * - 6 / 68 . * ( وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) * - 42 / 8 وأمّا الظلمة : هذه الكلمة أيضا من الأصل المذكور ، ومن أقسام ظهور الظلم في الطبيعة ، فانّ الظلمة في مقابل النور والضياء ، والأصل الأوّلىّ في عالم الوجود والطبيعة هو ظهور النور وبسطه ، فانّ حقيقة الوجود هو النور ، وله مراتب من النور المطلق الواجب إلى أن ينتهى إلى الوجود المحدود بالذات وبالزمان والمكان وهو عالم الطبيعة ، فالظلمة انّما يتحقّق بفقدان النور أو بالضعف فيه . فالحقّ في عالم الطبيعة بل في كلّ عالم من عوالم الوجود : هو ظهور النور وتجلَّيه وبسطه في كلّ مورد بحسبه وعلى مقتضاه ، فإذا فقد النور فقد ضاع الحقّ وظهور الظلم في الطبيعة ، كما في قوله تعالى : * ( كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْه ُ شَيْئاً ) * . * ( ذَهَبَ ا للهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ) * - 2 / 17 . * ( أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاه ُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِه ِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِه ِ سَحابٌ ) *